موقف الحكومة العراقية من القضية الكوردية في العراق (1)
في المرحلة الاولى من عهد الاستقلال 1932-1939
كافي سلمان مراد الجادري
رسالة تقدمت بها الطالبة
كافي سلمان مراد الجادري
القسم الاول
المقـدمـة :
إحتلت قضية الشعب الكردي مكاناً بارزاً بين مشكلات منطقة الشرق الأوسط بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى (1914-1918) , لما أحاط بها من أحداث ، ومارافقتها من تداعيات ، وما اعترضتها من مداخلات دولية واقليمية ، فضلاً عما تعرضت له من دسائس ومؤامرات استعمارية تحقيقاً لمصالح تلك الدول ومخططاتها ، التي عملت على منع حركة التحرر الوطني للشعب الكردي ، من تحقيق أهدافها القومية في الحرية والاستقلال .
ويعود ذلك لعدة عوامل كان على رأسها أهمية كردستان وخطورتها الاستراتيجية ، وأهمية ثرواتها الإقتصادية وفي مقدمتها النفط ، الذي جذب اليه الدول الاستعمارية ، التي عملت على تمزيق خارطة كردستان وتمزيق وحدة شعبها . مما جعلها منطقة توتر دائم ، ومصدر قلق مستمر للدول التي توزعت عليها كردستان . ولم تعمل حكومات هذه الدول التي إنطلقت من افق ضيق ,على إيجاد حلول منطقية وعادلة تساعد على إحلال الأمن والاستقرار في كردستان عموماً .
بعد إنتهاء الحرب العالمية الأولى خرجِت كردستان الجنوبية من الهيمنة العثمانية لتقع تحت الهيمنة البريطانية التي لم تختلف عن سابقتها . وأثناء ذلك أصبحت كردستان جزءاً مهماً من الدولة العراقية التي تشكلت عام 1921 , وأحد التحديات الرئيسة التي واجهت هذه الدولة ، دون العمل على إيجاد حلول جذرية لها . وتأتي أهمية دراسة القضية الكردية في العراق من كونها قضية شعب يمتلك خصوصية تأريخية وقومية خاصة به , تعرض تاريخه وقضيته الى الكثير من التشويه على أيدي بعض من كتبوا عنها أو ترجموا لها . فهي حركة تمرد وإنفصال في نظر البعض ، وهي مفروضة من قبل الإستعمار لدى البعض الآخر. وهو ما أدى الى خلق نوع من عدم الثقة ، والتشكيك في علاقات العرب والكرد ، وهما الشعبان الاكثر إلتحاماً ، وتفاهماً في المنطقة , والأكثر قرباً من بعضهما حتى يومنا هذا . وقد لا يعرف الكثير من أبناء الامة العربية عن تاريخ الشعب الكردي وقضيته إلا من خلال أقلام وكتابات ، إنطوت على كثير من التضليل والتشويه ، وعدت نضال هذا الشعب من أجل هويته القومية ، عمليات مسلحة للعبث بأمن العراق واستقراره .
إن هذا التشويه والتهميش للشعب الكردي دفع العديد من الباحثين ، بعيداً عن إعداد دراسات تاريخية وعلمية تتلاءم وتأريخ هذا الشعب العريق من جهة ,و من جهة أخرى أسهمت القيود الصارمة التي فرضتها الانظمة التي تعاقبت على الحكم في العراق ، منذ قيام الدولة العراقية في احجام الباحثين عن الاقدام على بحث ودراسة هذه القضية الوطنية المهمة . لذلك قلما وجدنا دراسات علمية رصينة في جامعاتنا ومؤسساتنا الأكاديمية تعالج النقص الفادح في جانب مهم من تاريخ العراق الحديث والمعاصر ، باسلوب بعيد عن الديماغوغية ، وينصف تاريخ الشعب الكردي وقضيته العادلة ، بوصفها جزءاً من المسيرة الوطنية للشعب العراقي ، ككل ، بجناحيه الرئيسيين ، العرب والكرد .
قسم البحث الى أربعة فصول مع مقدمة وخاتمة فضلاً عن قائمة المصادر والمراجع .
عالج الفصل الأول بدايات ظهور القضية الكردية ، منذ عهد الإحتلال العثماني الذي شهد العديد من الانتفاضات والحركات الانفصالية ، حتى دخول البريطانيين كردستان الجنوبية (كردستان العراق ) وموقف سلطات الاحتلال , وفيما بعد الانتداب البريطاني من القضية الكردية ، خصوصاً وان البريطانيون واجهوا معارضة شديدة من جانب الكرد ، ورفضاً متواصلاً لاستمرار هيمنتهم على العراق ، وبضمنه كردستان ، مما أجبرهم على إعادة النظر في سياستهم تجاه كردستان خاصة والعراق عامة ، والذي تمخض عند تأسيس المملكة العراقية وتنصيب فيصل ملكاً على العراق ، لتدخل كردستان مرحلة جديدة ، واجهت خلاله تحديات جدية من جانب البريطانيين في العراق ممثلين لسلطة الانتداب ، والحكومات العراقية التي لجأت الى سياسة القوة في تعاملها مع الكرد . توقفت أحداث هذا الفصل مع إنتهاء الانتداب البريطاني ودخول العراق عصبة الامم المتحدة عام 1932. كرس الفصل الثاني لدراسة الاوضاع الاجتماعية والاقتصادية في كردستان العراق خلال العهد الأول من الاستقلال . وكيف أدت السلطة الحاكمة الدور الاساسي في عملية اهمال هذا الجزء الغني من شمال العراق , والذي انعكس بالتالي على مجمل النشاط الاقتصادي لفئات وطبقات الشعب الكردي ، وعلى حقها في الحصول على تنمية مستقرة ومتوازنة اسوة بالعديد من مناطق العراق الآخرى.
أما الفصل الثالث فقد عالج موقف الحكومة العراقية من القضية الكردية خلال عهد الانتداب، حتى نهاية حكم الملك غازي عام 1939 ، اذ برزت قيادات كردية أخذت على عاتقها قيادة لواء النضال من أجل مطالب الكرد المشروعة في وجه الاجراءات القاسية التي اتخذتها الحكومات العراقية التي تعاقبت على الحكم ، وولدت ردود فعل عنيفة من جانب الشعب الكردي . ركز الفصل على موقف الحكومة العراقية من انتفاضات الشيخ محمود الحفيد (البرزنجي ) ، والدور الذي أداه البريطانيون في العراق لمساعدة السلطات العراقية في قمع تلك الانتفاضات ، وانتهت بنفي الشيخ محمود الى جنوب العراق .
تزامنت انتفاضات الشيخ محمود ، مع اخرى قامت في بارزان ، بزعامة البرزانيين ، الذين دخلوا في مواجهات عنيفة مع الحكومة العراقية لاعوام طويلة امتدت حتى سنوات لاحقة من تاريخ العراق المعاصر .
وقد شكلت مواقف الحكومات العراقية ، وسياساتها ، التي إتسمت بقدر كبير من الإرتجال واللامسؤولية في ادامة دوامة العنف وعدم الاستقرار في كردستان خاصة , والعراق عامة .
في حين جاء الفصل الرابع ليعالج مرحلة جديدة من تاريخ القضية الكردية منذ عام 1932، والتحديات التي واجهتها ، منذ ذلك التأريخ وحتى عام 1939 ، خصوصاً وان العراق شهد خلال هذه السنوات أبرز حدثين تركا تداعياتهما على العلاقة بين الكرد والسلطات الرسمية العراقية ، خصوصاً بعدما تداخلت المواقف بين الطرفين في حالات غير قليلة .
شكلت المشكلة الآثورية احد التحديات الرئيسة التي واجهتها الحكومة العراقية بعد الإستقلال، ومما زادها تعقيداً محاولة الحكومة دفع الكرد لان يكونوا أحد أطراف المشكلة لخلط الاوراق ، وخلق تعقيدات إضافية أمام الزعامات الكردية خلال تلك الفترة ، حينما كانت مواقف الأخيرة في تناقض رئيس مع المواقف الرسمية العراقية . أما التحدي الآخر ، فتمثل في الانقلاب العسكري الذي قام به بكر صدقي عام 1936,والذي فسح المجال لتدخل الجيش في السياسة .
ولقد زج اسم الكرد في هذا الإنقلاب ، الذي في حقيقته لم يمت بأي صلة لهم , سوى ان قائد الانقلاب كان كردي الاصل .
وحاولت في الخاتمة عرض أهم الاستنتاجات التي توصل اليها البحث , من خلال تقويم الحقائق التي تضمنتها فصول الدراسة ومباحثها .
تطلب طبيعة الدراسة الرجوع الى العديد من المصادر والمراجع ذات العلاقة بالقضية الكردية وتاريخ العراق المعاصر ، والتي تعددت لغاتها مما تطلب من الباحثة الاستعانة بالمتخصصين لترجمة ما تطلبته فصول الدراسة جاءت الوثائق غير المنشورة في مقدمة المصادر التي إعتمدتها الدراسة . وكانت الوثائق البريطانية في مقدمتها . وقد شملت هذه المادة الوثائقية ، وثائق وزارة الخارجية البريطانية (Foreign Office) الى جانب وثائق وزارة الطيران (Ministry of Air) . شملت هذه الوثائق البرقيات السرية للضباط والدبلوماسيين العاملين في السفارة البريطانية في العراق واستانبول, وكذلك تقارير شهرية ، وسنوية عن الاوضاع السياسية والاقتصادية والاجتماعية في العراق وكردستان . كشفت هذه الوثائق النوايا والخطط الاستعمارية للسياسة البريطانية في العراق وكردستان ، سلطت الضوء على دور الضباط والسياسيين البريطانيين في تسيير نظام الحكم في العراق , وفرض آرائهم على السلطة الحاكمة فيها سواء بالنسبة لسياسة العراق الداخلية او الخارجية .
أما الوثائق العراقية والمتعلقة بملفات البلاط الملكي , فللأسف لم يتسن لنا الحصول عليها بسبب منع تداولها في مكتبة دار الكتب والوثائق العراقية (المكتبة الوطنية ) , لحـد إنجـاز هذه الدراسـة , وذلك خضوعها لعملية الفرز والتبويب من جديد , من جانب اللجنة المشرفة على هذه العملية .
أما الوثائق العراقية فقد تضمنت الوثائق المنشورة , التي شكلت رافداً آخر زود الدراسة بمعلومات مهمة تمت ترجمتها ونشرها في العديد من المصادر العراقية ومنها (( العراق في الوثائق البريطانية سنة 1936 )) ، والتي قام باعدادها وترجمتها نجدة فتحي صفوة . وكانت على غاية من الأهمية لما إحتوته من وثائق وتقارير وبرقيات سرية للضباط البريطانيين في بغداد . وكذلك نشير الى وثائق الممثليات العراقية في استانبول وأنقره للفترة الواقعة بين الأعوام 1930-1953 ضمن كتابة الوثائقي (( تركيا والتحالفات السياسية )) والتي نضمها الدكتور صبحي ناظم توفيق . كان لكتب المذكرات أهمية أخرى في هذه الرسالة لما جاء فيها من معلومات . وبالرغم من انها كانت تعبر عن وجهة نظر أصحابها الذين عاصروا أحداثاً تأريخية مهمة من تاريخ العراق الحديث والمعاصر , لا سيما الفترة التي عالجتها الدراسة . والتي كانت فترة عصيبة مر بها العراق , من إنتفاضات وحروب في الشمال والوسط والجنوب . ومما يعطي هذه المذكرات أهمية مضاعفة ,ان عدداً من أصحابها عاصر هذه الأحداث . وعلى الرغم من تباين الآراء ووجهات النظر بين اصحاب هذه المذكرات بل وتناقضها احياناً، إلا انها جاءت بمعلومات مهمة وأساسية أغنت بعض مباحث الرسالة , ونخص مذكرات رفيق حلمي ((يادداشت)) (مذكرات ) باللغة الكردية والذي ترجم الجزء الاول منه الى اللغة العربية .
وكذلك هناك مذكرات القادة العسكريين العراقيين مثل (( مذكرات صلاح الدين الصباغ)) و((مذكرات طـه الهاشمي)) ، ولا سيما (( مذكرات فؤاد عارف )) التي أفادت الرسالة حين يوصف معالجة انقلاب بكر صدقي , بوصفه كان المرافق الشخصي للملك غازي خلال تلك الأحداث . إحتلت الرسائل والاطاريح الجامعية التي لها علاقة بالقضية الكردية حيزاً مهماً من فصول هذه الدراسة . نخص منها رسالة عبد الرحمن إدريس البياتي ((الشيخ محمود الحفيد (البرزنجي) والنفوذ البريطاني في كردستان حتى عام 1925)) اذ إمتازت الرسالة بالرصانة , والأمانة العلمية والتأريخية في طرح ومعالجة جوانب مهمة من نضال الزعيم الكردي ، وصراعه مع البريطانيين .
ومن الرسائل التي أغنت الدراسة بما جاء فيها من أرقام إحصائية دقيقة عن واقع الخدمات في كردستان الجنوبية خلال الفترة التي نحن بصدد دراستها ، إطروحة الدكتوراه التي كتبها اسماعيل شكر رسول والمعنونه ((أربيل دراسة تأريخية في دورها الفكري والسياسي 1939-1958)) ، إذ سلط الضوء فيها على الحركة الفكرية والسياسية في كردستان الجنوبية . في حين كانت رسالة طالب عبد الجبار (( المسألة الكردية في الوثائق العراقية))، دراسة تأريخية موثقة بالوثائق التأريخية والصحف والمقابلات ، ولكن لم تخلو الرسالة من هفوات وأخطاء تأريخية ، وأحكام غير منصفة ودقيقة بحق الكرد وقضيتهم العادلة . ونشير هنا الى رسالة سروة صابر ((كردستان الجنوبية 1929-1939 دراسة تأريخية وسياسية)) التي إعتمدت على الكثير من الوثائق البريطانية غير المنشورة فيما يتعلق بالمشكلة الآثورية في العراق .

التآخي

[http://www.gilgamish.org] GILGAMISH