نقرة السلمان: باستيل العراق ومعتقل الكورد الفيليين..
جليل ابراهيم المندلاوي
11 / 1 / 2009
نظرا للاهمية التي يحتلها معتقل (نقرة السلمان) في الملف الساخن لقضية الكورد الفيليين والمعاناة التي لاقوها، حيث ان معظم الذين اعتقلتهم سلطات النظام القمعية في العراق من ابناء الشريحة الكوردية الفيلية أبان عمليات التهجير القسرية عام 1980 تم احتجازهم في هذا المعتقل، الذي لايعد رهيبا فحسب من وجهة نظر العراقيين انفسهم، بل يمكن اعتباره أكثر من ذلك لما تميز به عن سواه، لذا وجدنا من الضروري التعريف بهذا المعتقل أو القلعة الاثرية التي تحولت الى منفى رئيس تستخدمه الانظمة المستبدة التي توالت على دست الحكم في العراق لقمع الحريات السياسية ودفنها بين رمال الصحراء...

فالحكايات التي تروى عن هذا السجن أو المنفى أو المعتقل أو سمه ماشئت، يشقعر لها البدن، ممزوجة بنكهة الموت الذي احاط بجوانبها، حتى اضفى بلمساته المريعة على كل فصل من فصولها المأساوية، لتخرج حسرات من الحزن والالم بعدد كلماتها من افواه لم تجد سوى التأوه منفذا تلوذ به بصمت اطبق على ألسنتها كما أطبق على قلوبهم حتى كاد ان يعتصرها، فما نفع الصرخات اذا كانت ستضيع بين رمال صحراء شاسعة حيث انتصبت قلعة السلمان وسطها.
أكثر من ثلاثة الاف معتقل ونيف من أبناء الشريحة الكوردية الفيلية -بالاضافة الى اعداد أخرى من غير الفيليين- ضمتهم جدران هذه القلعة، لتكون منفى لهم، ولتحتضن آلامهم ومعاناتهم جراء الاضطهاد الذي مورس ضدهم أبان حملات التهجيرالقسرية مع مطلع العام 1980، ومارافقتها من عمليات لاانسانية طالت عوائلهم فكان نصيبهم منها الاعتقال والنفي في نقرة السلمان... حيث الضياع، والمصير المجهول اللذان يتربصان بكل قادم جديد.
بين رمال البادية....
يضم العراق ثلاثة بواد شاسعة، مقارنة بمساحته الكلية، هي بادية الجزيرة والبادية الشمالية والبادية الجنوبية، وتقدر مساحة هذه البوادي بما يقارب 45% من مساحة العراق، كما ويقدر عدد سكانها بحدود 5% من مجموع سكان العراق، ومعظم سكان هذه البوادي هم من البدو الرحل الذين ينتقلون من مكان لآخر، وكثيرا مايدخلون المدن والاقضية والنواحي المجاورة طلبا للماء والكلأ، وكذلك لمبادلة منتجات حيواناتهم باللوازم التي يحتاجونها، وتضم محافظة المثنى، التي تقع في البادية الجنوبية، أكثر من (13) ثلاثة عشر مليون دونم من أراضي البوادي الثلاث، الا انها تتميز بكثرة آبارها المنتشرة في نواحي كثيرة منها، واحتوائها على وفرة من المعادن المنوعة، كما وتشتهر هذه المدينة بالمحافظة على طقوس الحياة البدوية، ومع ذلك فان كل هذه المعالم الاقتصادية والاجتماعية لم تنل شهرة تذكر امام (نقرة السلمان) التي باتت مضربا للمثل..
مدينة السلمان....
تبعد هذه المدينة مسافة(140) كيلومترا عن مدينة الرمادي -مركز محافظة المثنى- وما يقارب (380) كيلومترا عن العاصمة بغداد، وفيها قبر نوفل بن عبد مناف، احد كبار رجال قبيلة قريش، وكانت هده المدينة منذ ما قبل ظهور الاسلام محطة رئيسة في طريق المسافرين من العراق الى تهامة، ومن ابرز المعالم الاثرية للمدينة، وجود تل أثري، يعتقد بأنه يضم قبر سليمان، والذي ارسله أحد ملوك اليمن على رأس جيش كبير لفرض سيطرته على المنطقة، ومن هنا يغلب الظن بأن تسمية مدينة(السلمان) هو اشتقاق محرف عن سليمان.
اما اهم مشاهد المدينة الجغرافية فهو وقوعها في منخفض ارضي على هيئة دائرة، قطرها الاصغر حوالي(20) كيلومترا، اما قطرها الاكبر فيبلغ بحدود (30) كيلومترا بصورة تقريبية، ويتميز هذا المنخفض بعدم تدرجه في الانخفاض عن مستوى الارض المحيطة به، وانما يبدأ انحداره مباشرة كما لو ان المرء ينتقل من السهل الى الوادي، ويدعي هذا المنخفض بـ (نقرة السلمان) والنقرة تنطق باللهجة المحلية العراقية (نكرة) والتي يراد بها الحفرة، وتبلغ مساحة هذا المنخفض حوالي (350) كليومترا مربع.
تـأريخ المدينة...
تنسب هذه المدينة تأريخيا الى 400 سنة قبل الميلاد كما يذكر ياقوت الحموي في معجم البلدان، اما تأريخها الحديث فيشير نسبيا الى ان موجات الغزو كانت قد حولتها الى مراتع نفوذها اوائل القرن العشرين، مما دفع بالدولة العثمانية الى خوض نزالات ومعارك طاحنة لاستردادها والحفاظ عليها، ثم الى بناء مجموعة مراكز دفاعية للتحصن بها ولحماية المدينة، وقد دعمت هذه المراكز ابان الاحتلال البريطاني للعراق بقوات يقودها (غلوب باشا)، ومن هذه المراكز الدفاعية قلعة ضخمة وعملاقة وذات اهداف عسكرية مهمة تم بناؤها بين عامي 1927-1928 لحماية مدينة السلمان من أي هجوم خارجي، وأطلق على هذه القلعة فيها بعد اسم (قلعة السلمان)، وتتميز بعلو أسيجتها، والرقعة التي تقوم عليها، وبواباتها العملاقة، والبئر الذي يتوسط ساحتها.
باستيل العراق...
ظلت هذه القلعة تمارس واجباتها العسكرية في عمق البادية الجنوبية قبل ان تتحول الى سجن يودع فية المتسللون. ومنذ بدية عام 1948 بدأ السجن يمارس وظيفة جديدة حيث اصبح معتقلا للسياسيين والمواطنين العراقيين، حيث شيدت في القلعة العديد من القاعات والزنزانات والغرف والابنية الجديدة التي تناسب ودورها كمعتقل او سجن، فكان السجين الذي يرسل الى سجن (نقرة السلمان) يحمل ثلاث صفات، السجين، والمنفي، والمحكوم عليه بالموت المحتم. فحكايات سجن الباستيل الفرنسي وحجم الاذى الذي كان يلحق بنزلائه ربما تكون أخف وقعا من حجم الاذى الذي يتعرض له المنفي في سجن (نقرة السلمان)، حيث امام السجين او المعتقل عدة خيارات للموت، اما من الحر، أو من البرد، أو الجوع، واما من رغبة السلطة الحاكمة في التخلص منه بطريقة خالية من التعقيد والشبهات، وذلك بالايعاز لشرطة السجن لتهيئة الاسباب اللازمة لهروب السجين، فيهرب دون ان يدرك ان اقرب مكان يلجأ اليه يبعد عنه مئة كليومتر فقط....
وفي كل متر من هذه المسافة يوجد قطعان من الحيوانات المفترسة، والتي اقلها شراسة الذئاب الجائعة، فاذا افلت بضربة حظ ونجا من الهلاك فلن يسعفه الحظ من الهلاك عطشا وجوعا وتعبا وندما لأنه غادر منفاه الذي يضمن له الحد الادنى من شروط البقاء.
اما ابسط مسوغات الموت التي تنتظر الهارب فتتمثل في عدم معرفته الطريق الواجب سلوكها فمن جميع جهاته صحراء مفتوحة الأفق والطريق الوحيدة المأمونة هي الشارع العام لكن هذا الشارع لاترتاده غير سيارات الشرطة التي تحمل البنادق والمعتقلين الجدد ومع ذلك كان هناك هاربون على الدوام يفقد ذووهم الأمل في عودتهم بعد انتظار اعوام واعوام.
الكورد الفيليون وآلام السلمان...
على الرغم من صدور قرار من مجلس قيادة الثورة للنظام العراقي البائد بالغاء هذا المنفى والسجن بعد عام 1968 واعتبار القلعة كجزء من الابنية التراثية العراقية الا ان القرار لم يكن سوى حبر على ورق ومحاولة للتضليل عن المعتقلين الجدد الذين ضمتهم جدران هذه القلعة من سياسيين ومعارضين للنظام بالاضافة الى اكثر من ثلاثة الاف معتقل -من مجموع مايقارب ستة الاف معتقل- من ابناء عوائل الكورد الفيليين المهجرة حيث تم احتجازهم وتهجير عوائلهم بعد ان جردوا من اموالهم وممتلكاتهم ليضيف النظام الحاكم في بغداد جريمة أخرى لجرائمه مخالفا بذلك ابسط الاعراف والقيم الانسانية في اضطهاده لأبناء الشريحة الفيلية ليرزحوا تحت أعباء معاناة لم تزل أثارها قائمة في حكايات تتراءى امام كل من يتأمل جدران معتقل (نقرة السلمان) ليشاهد رسم وردة او قلبا او وجه امرأة او طفلا هنا ويقرأ قصيدة للحرية هناك وكلمات تفصح عن معاناة أصحابها ليستنتج من غير صعوبة ان من حكم عليه بالسجن في هذا المعتقل فيسمضي أيامه بين جدران سوداء كئيبة دون ان يحلم بزيارة أم أو ولد أو زوجة أو صديق فذلك أصعب من المستحيل نفسه، اما ان يحصل على أبسط شروط الحياة فذلك مدعاة للسخرية والضحك ومن هنا اصبح السجن مضربا للامثال ورمزا للرعب والذعر وقبرا لأسرار وخفايا الاعتقالات الرهيبة لتفقد فيه معظم العوائل الكوردية الفيلية المهجرة فلذات اكبادها دون ذنب اقترفوه، ومن هنا ايضا كان السجناء يهربون ويهربون مع يقينهم الاكيد بأن الطريق التي يسلكونها تقودهم الى حتفهم النهائي ولكن ما العمل حين يمسي الموت امنية.
هذه صورة من صورة من صور المآسي التي تعرض لها الكورد الفيلييون والتي لايمكن ازالة آثارها ولربما يمكن التخفيف عن جزء يسير منها من خلال الكشف عن مصير البقية الباقية من المحتجزين من ابناءهم وهذا ما نتأملة في المستقبل القريب.

شفق

[http://gilgamish.org] GILGAMISH