عبدالرزاق بدرخان(1864ـ 1918) حياته، وعلاقاته السياسية، ونشاطه الثقافي الحلقة الثالثة
تأليف د. صلاح محمد سليم هروري
ترجمة :د.شعبان مزيري
في البداية تم تعينه في ديوان السلطان العثماني بمنصب نائب رئيس التشريفات. وكان هدف السلطان من تعينه في هذا المنصب حتى يبقى تحت مراقبته. وفي هذه الفترة تعرض حياة عبدالرزاق بدرخان عدّة مرات إلى الخطر. ونجا من عدّة محاولات فاشلة لاغتياله. كما رواه هو بنفسه: وهذا يعود إلى علاقاته مع روسيا، ولهذا السبب وضع تحت المراقبة الشرطة. وبسبب سوء تعامل معه من قبل الشرطة العثمانية العائدة إلى السلطان عبدالحميد الثاني فإنه لجأ إلى انشاء علاقات سرية مع السفير الروسي في اسطنبول”زينو فيف” كي يقوم الاخير بمساعدته مرّة اخرى ويسمح له بالجوء إلى روسيا، ولكن السفير الروسي لم يرضى بطلبه هذا ورفضه لاعتقاده بان لجؤئه إلى روسيا سوف يؤثر على علاقات الروسية مع الدولة العثمانية. ومع هذا اقترح السفير الروسي عليه بانه مستعد ان يفتح قضيته مع السلطات العثمانية. ولكن أصبح واضحاً فيما بعد بان السلطان العثماني لم يغير سياسته باتجاه عبدالرزاق بدرخان. وان السلطان عبدالحميد الثاني رأى بان مقتل”رضوان باشا” رئيس الشرطة العثمانية في عام 1906في اسطنبول فرصة لتوجيه التهمة إليه وإلى عمه”علي شاميلي”. في البداية ووجه التهمة الاعدام إلى عبدالرزاق بدرخان وعمه علي شاميلي، ولكن بسبب سمعة عائلتهم ومكانتهم الاجتماعية في المجتمع الكردي تم تبديل حكم الاعدام بحكم مؤبد، وتم ابعادهم إلى مدينة طرابلس في(ليبيا). وان الصحافة الروسية اهتمت بهذه المحاكمة ونشرت أخبار عنها. وان هذا اهتمام يعود إلى علاقات عبدالرزاق بدرخان مع الشخصيات السياسية المشهورة والمرموقة في روسيا. وقد بقي عبدالرزاق بدرخان في السجن إلى شهر شباط من العام 1910. وحتى ان العفو التي صدرت من الحكومة(الاتحاد والترقي) لم يشملهم. وتوفي عمه “علي شاميلي” وهو في مدينة طرابلس في ليبيا، وتم نقل جثمانه إلى اسطنبول ودفن فيها. وعندما تم افراج عن عبدالرزاق بدرخان وعودته إلى أسطنبول كان الاتحاد والترقي هي التي تحكم ولم تتغير سياستهم باتجاه عبدالرزاق بدرخان واسرته. وبهذا الخصوص يقول عبدالرزاق:((بان سلطات الحكومة الجديدة التركية لم تغير سياستها باتجاهه وباتجاه اسرته، وكانت تعاملهم معاملة سيئة)). وبسبب هذه المعاملة السيئة مرّة اخرى اتصل عبدالرزاق بدرخان بالسفير الروسي في اسطنبول”جريكوف”وبمساعدة وزارة الخارجية الروسية استطاع ان يهرب إلى مدينة “تبليس”. وكان السفير الروسي”جريكوف” قد طلب من حكومته بمساعدته للهروب، وهذا ما يوضحها في رسالة بعثها السفير الروسي”جريكوف” من “اسطنبول” إلى وزارة الخارجية الروسية وطلب فيها بتقديم المساعدة والسماح لـ(عبدالرزاق بدرخان) بالوصول إلى مدينة”اريفان”. ويتم اعداد له هوية روسية.
وقبل ان يصل جواب رسالة السفير”جريكوف”، كان عبدالرزاق بدرخان قد هرب من اسطنبول ووصل إلى مدينة”اريفان”، وكذلك أرسل السفير”جريكوف” برسالة أخرى إلى”كاخانوفسكي” نائب الروسي في منطقة قفقاسيا، واوضح فيها بان عبدالرزاق بدرخان سوف يصل إلى روسيا ومن الواجب الصداقة ان يتم استقباله استقبالاً محترماً يليق به. وارفق مع تلك الرسالة نبذه مختصرة عن سيرة ذاتية لـ(عبدالرزاق بدرخان).
وفي8 كانون الأول1910م وصل عبدالرزاق بدرخان إلى مدينة”تبليس”، وتم استقباله هناك استقبالاً حسناً من قبل الشخصيات السياسية الروسية المعروفة كل من”ميرزويف”، و”مير يمانوف”، و”زيبلوف”. وكما اوضحناها في الصفحات السابقة، حيث ان عبدالرزاق بدرخان كان يرغب ان يمكث في مدينة”اريفان”لقربها من الحدود المناطق الكردية، ولكن كانت لحكومة الروسية وجة نظر اخرى ورفض طلبه هذا. وعندما وصل عبدالرزاق بدرخان إلى مدينة”تبليس”كتب مكتب نائب قفقاسيا لـ”محافظ مدينة اريفان” رسالة توضيحية لمعرفة رايه حول تواجد عبدالرزاق بدرخان في مدينة”تبليس”.
وبعد مرور عدّة شهور، طلب عبدالرزاق من(كاخانوفسكي) نائب الروسي في منطقة قفقاسيا بان يسمح له بالذهاب إلى المناطق العشائر الكردية القريبة من حدود مع الدولة العثمانية، ومنها مدن”خوي”، و”سلماس”، و”اورمية”، وعلى أن تكون زيارته هذه تحت مراقبة الروسية واشرافهم. وحول تلك الزيارة يقول عبدالرزاق بدرخان:((كان الهدف من الزيارة حتى تسنح ليّ فرصة اختلاط بالعشائر الكردية واكون قريباً منهم، وحتى استطيع ان اتجول في القرى الكردية بحرية تامة)). ويضيف قائلاً:((بعث “اوليفي ربيفي” برسالة عن طريق الوزارة الخارجية الروسية إلى الامبراطور الروسي أوضح فيها اهداف زيارتي إلى مدينة”وان”، كذلك اوضح ايضاً بان جميع تحركاتي التي كنت اقوم بها كانت يتم تسجيله وكانت تصب في صالح القضية الكردية وتحرير كردستان من ظلم واضطهاد حكومة الاتحاد والترقي، وتحقيق الحكم الذاتي لكردستان في ظل الحكومة الروسية.
ومن كلام عبدالرزاق بدرخان نستشف بانه كان يرغب ان يبقى قريباً من حدود كردستان ايران ويعيش ضمن القبائل الكردية من اجل تنفيذ مشروعه السياسي، لتأسيس دولة كردستان الحرة من المناطق المحررة في كردستان ايران القريبة من الحدود مع روسيا، ولكن الحكومة الروسية كانت تنظر إلى طروحات عبدالرزاق بدرخان بنظرة مغايرة ولم ترغب بتواجده في المناطق الحدودية والعيش مع القبائل الكردية. ولكن في الوقت نفسه كان هناك اتجاه اخر يريد بقاء عبدالرزاق في المناطق الكردية، لكي يساعد في بسط سلطة الروسية في تلك المناطق. وان بعض السياسيين الروس أمثال”كاخانوفسكي” نائب الروسي في منطقة قفقاسيا، كان يريد ان يذهب عبدالرزاق بدرخان إلى المناطق الكردية في ايران، لاعتقاده سوف يسهل لهم بسط السلطة الروسية في المناطق الكردية، وجاء هذا في رسالة بعثها”كاخانوفسكي” إلى السفير”جريكوف” وأوضح في رسالته بان ذهاب عبدالرزاق بدرخان إلى المناطق الكردية في ايران هي خطوة جيدة من اجل أنشاء العلاقات القوية والعميقة ومتينة مع الكرد، ولمعرفة احوالهم بصورة عامة وما يجري على ارض كردستان، كذلك أوضح”كاخانوفسكي” في رسالته هذا بان عبدالرزاق بدرخان سوف يحاول التأثير على الكرد في ايران وتركيا. ويقف بوجه تلك الأعمال التي تقوم بها السلطات التركية والايرانية والمسيحيون ضد الكرد. بعبارة أخرى ان روسيا سوف تستفاد من السمعة التي يتمتع بها عبدالرزاق بدرخان لتحقيق أهدافه السياسية المرسومة في مشروعه في مناطق كردستان ايران. وفي بداية شهر آذار عام1911بدأ عبدالرزاق بدرخان بنشاطاته السياسية. وتجول في عدّة مدن كردية في ايران مثل مدينة”ماكو، وخوي، وقوتور”.
وقام بزيارة إلى مدينة”وان” بكردستان تركيا، وفي هذه المدينة الاخيرة حاول السلطات التركية إلقاء القبض عليه ولكنه استطاع ان ينقذ نفسه ويهرب من المدينة.
وحول اهداف زيارته إلى مدينة”وان”اوضحها عبدالرزاق بدرخان بكلمات مختصره قائلاً”بانه كان ينوي ان يرشح نفسه للبرلمان التركي”حيث مكث لمدة عشرة أيام في مدينة”وان”والتقى مع عدد من الشخصيات السياسية ووجهاء المدينة، لاسيما اولئك الذين كانوا معارضين لسلطات الدولة العثمانية، كذلك التقى بـ”اوليرييف”القنصل الروسي في مدينة”وان” وشرح للقنصل الروسي برنامجه السياسي الذي جاء من اجله إلى المنطقة. وفي المناطق الكردية من كردستان ايران، ولاسيما مدن”ماكو، وخوي، وقوتور”إلتقى عبدالرزاق بدرخان كذلك بشخصيات وزعماء ووجهاء الكرد في المنطقة الذين كانوا يؤيدون وجهة النظر الروسية، والتقى كذلك بالثائرالكردي سمكو اغا شكاك الذي أصبح فيما بعد من المؤيدين لبرنامجه السياسي والثقافي. وان السلطات العثمانية حاول إلقاء القبض على عبدالرزاق بدرخان خلال تواجده في كردستان ايران، لاسيما عندما كان في مدينة”اورمية”، وقام بهذه المهمة القنصل العثماني في المدينة”اورمية” سعدالله بك الذي حاول إلقاء القبض على عبدالرزاق بدرخان، ولكنه استطاع ان يحمي نفسه بلجوئه إلى القنصلية الروسية الموجودة في مدينة”اورمية” واحتمى إليها.
ومما يستحق القول ان العاملين في السفارة الروسية والسياسيين الروس كان لهم وجهات نظر مختلفة حول وجهات نظر عبدالرزاق بدرخان ونشاطاته السياسية التي كانت تصب في مصلحة روسيا. امثال”ماكلوفسكي” السفير الروسي في طهران والذي كان لايؤمن بنشاطات عبدالرزاق بدرخان لاعتقاده بان تحركاته في المناطق الكردية يكون في صالح الدولة العثمانية. بخلاف المسؤولون الروس الآخرون في منطقة قفقاسيا الذين كانوا يعتقدون بإن ما يقوم به عبدالرزاق بدرخان في المناطق الكردية هو في صالح روسيا.
ولكن تبين فيما بعد بان وجهة النظر الثانية(أي توجهات مسؤولي الروس في منطقة قفقاسيا) كانت هي الاقوى من وجهات النظر الاولى الخاصة بالسفير الروسي في مدينة”طهران”، ولهذا السبب قررت روسيا بإرسال عبدالرزاق بدرخان وتحت اشراف الجيش الروسي وحمايته إلى مدينة”تبريز”، بعد ذلك في شهر مايس سنة1911كان قد ارسل إلى مدينة”تبليس” بعد ذلك قررت السلطات الروسية بإبقاء عبدالرزاق بدرخان في مدينة”تبليس”، ولم يسمح له بإي تحرك سياسي ، لاسيما اذا كانت ضد الدولة العثمانية.
وعندما استقر عبدالرزاق بدرخان وبموافقة السلطات الروسية في مدينة”تبليس” قام بزيارة باريس عاصمة فرنسا وهناك التقى بالشخصية الكردية مرموقة الجنرال شريف باشا. وهو الاخر كان معارضاً للحكومة العثمانية. في هذه المرحلة أصبح عبدالرزاق بدرخان(بنفسه) قضية سياسية معقدة بين الحكومتين الروسية والعثمانية. على سبيل المثال في عام 1912يوضح وزير الخارجية العثماني عاصم بك للسفير الروسي في اسطنبول بإن حكومته(اي الحكومة العثمانية) لم تكن راضيه على توفير الحماية من قبل الحكومة الروسية لـ(عبدالرزاق بدرخان). كذلك كشف بإنه من المفروض ان يتم تسليمه إلى السلطات العثمانية باعتباره الشخصية غير مرغوب فيه ومعارض لحكومته. ومن ناحية اخرى قامت الحكومة العثمانية بعدّة محاولات فاشله لاغتيال عبدالرزاق بدرخان.
وكانت في بعض الاحيان اخرى يعتبر عبدالرزاق بدرخان انسان مشكوك في امره، واحيانا اخرى كانت الصحافة العثمانية تنشر مقالات تكشف فيها بان عبدالرزاق بدرخان تمرد على الدين الاسلامي ومنحرف عنه. أما مسؤولون الروس في قفقاسيا كانوا يحاولون توفير كل سبل الحماية لـ(عبدالرزاق بدرخان)، كذلك كانت الشخصيات ووجهاء الكرد يساعدون عبدالرزاق بدرخان، ويقومون بتوفير كل طرق الحماية له وابعاده من مصدر الخطر المتمثلة بالحكومة العثمانية.
اما بخصوص مشروع عبدالرزاق بدرخان السياسي والاجتماعي والثقافي الذي كان قد تم وضعه بين سنتي1911ـ1912. يهدف بانشاء تنظيم سياسي ليقود انتفاضة كردية في كردستان تركيا، وان تكون هذه الانتفاضة بالتعاون والدعم والتشجيع روسيا، وعلى ان القيادة الفعلية تكون في يد عبدالرزاق بدرخان. وكان الاخير قد طرح مشروعه السياسي على مسؤولين الروس عندما كان يجتمع معهم، ومنهم على سبيل المثال القنصل الروسي في مدينة(وان) الذي يقول:((ان أول لقائي مع عبدالرزاق بدرخان، أوضحت له بأنني سوف أستمع لمطاليبه وطروحاته، السياسية، على الرغم انني لم اكن مع فكرته ومشروعه السياسي الذي كان يخطط له، ويكافح من أجل تحقيقه، ولكنه(اي عبدالرزاق) أوضح لي مفردات مشروعه السياسي وما كان ينوي القيام به)).
مرّة اخرى أوضح عبدالرزاق بدرخان للقنصل الروسي في مدينة”وان”((بان انتصار روسيا في منطقة أسيا الصغرى سوف يتحقق حريتي)).
كذلك قام عبدالرزاق بدرخان بنشاطات ثقافية بين سنتي1912ـ1913في مدينة”خوي”، بدعم من السلطات الروسية أيضاً وقام بتأسيس جمعية”جيهانزاني ـ عالم المعرفة”، وفتح مدرسة كردية في مدينة”خوي”. ومن خلال ما لاحظناهو مما مضى بانه كان يؤمن ويعتقد بان التعاون ومساعدة الروس له سوف يكون السبب لنجاحه في مهمته التي يناضل من اجله.
اما الفكرة الثانية الذي كان يعتقده عبدالرزاق بدرخان بان روسيا سوف تدعم برنامجه السياسي الذي كان يخطط له، لاسيما القيام بالانتفاضة الكردية. ولكن كما هو معروف وما كشفه المسؤولون الروس ان بعض من المسؤولين الروس لم يكن مع توجهاته وهذا يرجع إلى عدّة أسباب ومن اهمها هي:ـ
1ـ علاقات روسيا مع الدولتين العثمانية والايرانية، وكذلك مع الدول الاوربية. فإنهم كانوا لايريدون التباحث بخصوص المسألة الكردية ومساعدة مشروع عبدالرزاق السياسي ما عدا ما كان مرتبطاً بتحقيق مصالح الروسية في المنطقة، ولهذا السبب كان يلتجأ في حالة الضرورة إلى عبدالرزاق بدرخان لتحقيق تلك المصالح،عندما يحتاج اليه.
2ـ ان المصادر الخاصة المتعلقة بنشاطات عبدالرزاق بدرخان تكشف بان الاخير كان قد وضع مخطط سياسي لبدء بالانتفاضة كردية عام1913، التي كان ينوي القيام بها في أراضي كردستان الايرانية،بعبارة اخرى انه وضع كردستان الايرانية مركزاً للانطلاق بانتفاضته منها. وكانت هذه الخطة تتألف من عدّة عمليات عسكرية يتم القيام بها على الحدود الايرانية المتأخمة لحدود الدولة العثمانية.
3ـ وبموجب هذه الخطة المرسومة يقوم “سعيد بك” رئيس احدى العشائر الكردية القريبة من الحدود الايرانية بعمل عسكري ضد قوات المسلحة العثمانية المتواجدة في منطقة”قارجاغ”، ويقوم السيد”طه النهري” حسب مخطط العسكري المرسوم وهو يقود قوات العشائر الكردية ويتوجه باتجاه منطقة”باشقالا”، اما القوات الخاضعة لقائد سمكو شكاك سوف يتوجه باتجاه منطقة”السراي” المتآخمة للحدود.

التآخي

[http://gilgamish.org] GILGAMISH