ولاية الموصل الجزء الاكبر من كوردستان الجنوبية تبددت امالها
في نيل كل حقوقها القومية والثقافية في تأسيس دولة كوردية بسبب اطماع الدول الكبرى على نفط الموصل وبالاخص بريطانيا وتحقيق مكسب استراتيجي مهم لتركيا
زهير المعروف
تؤكد التقارير الوثائقية ان بريطانيا منذ القرن التاسع عشر تأكدت من وجود كميات هائلة من النفط في ولاية الموصل واخفي هذا الخبر حتى على كبار موظفي الامبراطورية وعلى حلفائها وخصوصا فرنسا علما بان اول من اكتشف النفط في العراق هم المهندسون الالمان.
ففي عام 1846م استطاع المهندس الجيولوجي الالماني (دودباخ) العثور على منبع النفط في (القيارة) وفي عام 1871 جاءت بعثه المانية الى العراق لمعرفة مدى امكانية استثمار نفطه وقد اوضحت البعثة مدى غزارة نفط العراق وجودته.
وكان اللورد (جون فيشر) اول من تنبه عام 1900 الى اهمية النفط كوقود للسفن البحرية. وقد نجحت بريطانيا في اقصاء فرنسا عام 1912 عن انشاء اتحاد تالفت بموجبه (شركة النفط التركية) Tpc والتي اصبحت فيما بعد IPC اي شركة النفط العراقية وبسبب الانهيار العام للامبراطورية العثمانية لم يعد لتركيا اي سهم في هذه الشركة وقد حصلت IPC على امتياز التنقيب عن النفط في ولاية الموصل وحصلت بريطانيا على نصيب الاسد في هذه الشركة عن طريق شركة (شل) وهي شركة هولندية - بريطانية والجدير بالذكر ان بريطانيا كانت خارج سوق النفط الذي كان حكراً على امريكا والمكسيك ولم تدخل في هذا المجال الا في عام 1909 عن طريق الامتيازات التي حصلت عليها ومنذ عام 1913 صرح ونستون تشرشل بمناسبة تشكيل لجنة ملكية للتدقيق في مصادر النفط من جانب دول الحلفاء قائلا (يجب ان نصبح مالكين او على الاقل مسيطرين على ما نحتاجه من النفط) مما سبق ذكره يبدو واضحا ان مصالح بريطانيا كانت تحتم عليها ان تسيطر على ولاية الموصل باي ثمن سواء كانت السيطرة من خلال انشاء دولة كوردية (لان غالبية سكانها من الكورد) مستقلة او انشاء دولة ذات قوميتين تحت سيطرة عربية او كوردية. المهم ان يكون النفط تحت السيطرة البريطانية ويبدو ذلك واضحا في تصريح اللورد (كيرزون) الشهير (ان حدود الهند تقع على الفرات).
وفي الخامس من تشرين الثاني 1914 اعلنت البريطانيا رسميا الحرب على تركيا وفي اليوم الثالث نزلت القوات البريطانية بنجاح في الفاو بعد مقاومة تركية ضعيفة حيث احتلت البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 واثناء الحرب العالمية الاولى في 19 شباط عام 1916 اعتمدت اتفاقية سايكس- بيكو التي شارك فيها كل من مارك سايكس وزير خارجية بريطانيا وجورج بيكو وزير خارجية فرنسا وسيرجي سازانوف وزير خارجية روسيا القيصرية في العاصمة الروسية (بتروجراد) وتضمنت هذه الاتفاقية اقتسام مناطق النفوذ في الاقطار العربية الاسيوية العراق وسوريا ولبنان وفلسطين وبموجبها تضم روسيا ولايتي ارضروم وتيليس والمناطق التابعة لها والاراضي الكائنة جنوبي كوردستان وتمتد بخط ولاية موش الى سعرد ومن هناك تنحدر الى جزيرة ابن عمر ثم تتبع خطا مستقيما الى العمادية ومنها الى الحدود الفارسية اي ان روسيا بموجب هذه الاتفاقية ستضع يدها على ارمينيا وعلى كامل كوردستان الشمالية واجزاء من كوردستان الجنوبية بينما تخضع كوردستان الشرقية الى بلاد فارس حليفة بريطانيا اما فرنسا فقد خص الاتفاق منطقة الموصل في شمال العراق الغنية بآبار النفط كما خصها كليكا وتشتمل على ولاية اطنة اما بريطانيا فقد شملت منطقة نفوذها وادي الرافدين من جنوب ولاية الموصل الى الخليج العربي، ولكن مالبثت روسيا ان انسحبت من هذا الاتفاق بعد ثورة اكتوبر وفضح الحكم الجديد فيها بنود هذه الاتفاقية عن طريق نشرها في جريدة (البرافدا) الناطقة باسم الثورة وان من اكثر الامور التي لم تجد قبولا لدى بريطانيا في هذه الاتفاقية هو جعل (ولاية الموصل) ضمن مجال النفوذ الفرنسي لان الموصل كما اكدتها بعض المصادر كانت ضرورية لبريطانيا لاعتبارات اقتصادية وسياسية وعسكرية مهمة وبعد هزيمة المانيا وحليفتها الدولة العثمانية بدأت بريطانيا تفكر جديا على ضم ولاية الموصل اليها لاهميتها النفطية الغزيرة فبدأت تقلل من اهمية اتفاقية سايكس بيكو فوصف لويد جورج هذه الاتفاقية (بانها اغبى وثيقة) وخططت بريطانيا كل الطرق الدبلوماسية من اجل الغاء هذه الاتفاقية ففي مؤتمر الصلح المنعقد في باريس عام 1919 ومؤتمر سان ريمو الذي عقد في 31 نيسان عام 1920 بين وجهة النظر البريطانية بشأن كوردستان حيث اتفق الحلفاء على توزيع الانتدابات في الاراضي العربية مجددا حيث حصلت بريطانيا على حق الانتداب في فلسطين والعراق مع الموصل.
اما فرنسا فقد حصلت على الانتداب في سوريا ولبنان ونالت تعويضا عن الموصل بمقدار 25% من بترول الموصل مقابل تنازلها عنها لبريطانيا وكان حصول بريطانيا على الموصل يعد نجاحا للدبلوماسية الانجليزية. وبعد ابرام معاهدة سيفر في 10 اب 1920 تلك المعاهدة التي تخصصت بتفكيك الامبراطورية العثمانية ونبهت الى مسألة تشكيل (دولة كوردية مستقلة) من خلال بنودها (64،63،62) وكان بالامكان ان تشمل جميع ولاية الموصل الا ان عصبة الامم الحقت هذه الولاية بالمملكة العراقية الجديدة في 16 كانون الاول عام 1925 علما بان الدولة العراقية تأسست عام 1921 وجاء في احد شروط التقرير الخاصة بالكورد القاطنين في هذه الولاية يجب الاهتمام بالرغبات التي اعرب عنها الكورد في ان يعين الموظفون من العنصر الكوردي في الادارة والقضاء والتربية والتعليم في المدارس وتكون اللغة الكوردية هي اللغة الرسمية علما بان الدستور الذي تم نشره في 21 اذار 1925 لم يتعامل مع الكورد بصورة رسمية باعتبارهم القومية الثانية وشركاء في البلاد بل اعطى انطباعا بانه يرقى الى صهر الهوية القومية الكوردية في اطار (المواطنة العراقية) الخالصة وهكذا جرت محاولة تمييع القضية الكوردية ليس في الاستقلال والوحدة حسب وانما على صعيد الحكم الذاتي. فانا ان نذكر ان بنود معاهدة سيفر ولدت ميتة خيبت امال الكورد ولم تتم المصادقة عليها بعد ان تجاهلها مؤتمر لوزان 1923 ورفضتها تركيا لان الكورد القاطنين في ولاية الموصل (كوردستان الجنوبية) شكلوا بنظر الاتراك تهديدا لاخضاع كوردستان الشمالية بصفة سلمية للحكم التركي، بل تمادى الكماليون المتطرفون ودعوا الى سياسة شوفينية تقوم على فكرة الصهر العرقي بتحول (الكورد) الى ترك وهذا ما يرفضه منطق الدين والتاريخ وقد راهنت تركيا على ورقة خاسرة بمطالبتها بولاية الموصل وبعد ان هدأ غبار العاصفة وتقسمت الغنائم بين تركيا والحلفاء وذلك على حساب القومية الكوردية وهذا ما اشار اليه الباحث فوستو بقوله (ان بعثرة الكورد على نطاق واسع في الاناضول وفي سوريا والعراق وايران كان سببه الاطماع التركية في كوردستان ومصالح الدول الكبرى على نفط الموصل وبالاخص بريطانيا التي كثفت اقصى جهودها لعدم تحقيق دولة كوردية لحماية مصالحها الاستراتيجية والنفطية في كوردستان الجنوبية فيما وصف الباحث التركي اسماعيل بيشكجي (معاهدة لوزان) بانها كانت تعاقداً امبرياليا على تقسيم كوردستان والامة الكوردية علما بان القضية الكوردية تمت مناقشتها سابقا من قبل ابرز مخططي السياسة الخارجية البريطانية في مؤتمر الدوائر الرسمية حول قضايا الشرق الاوسط المنعقد في بناية وزارة الخارجية بلندن في 17 نيسان 1919 برئاسة اللورد كيرزون وزير الخارجية البريطاني وبصورة مستفيضة وتم تقديم العديد من المقترحات ابرزها ما تقدم به ( ارنولد ولسن) الى رئيس المؤتمر وتضمنت طريقتين لادارة المنطقة الكوردية - الاولى اقامة كوردستان ذات حكم ذاتي مركزها الموصل والطريقة الثانية جعل ولاية الموصل جزءا من بلاد ما بين النهرين محاطا بحزام من دويلات كوردية ذات حكم ذاتي مثل السليمانية وراوندوز والعمادية، وجزيرة ابن عمر (بوتان) وستحكم هذه الدويلات من قبل رؤساء محليين مع مستشارين سياسيين بريطانيين يخضعون لبغداد مباشرة واقترح الجنرال شريف باشا والسيد عبد القادر الشمديناني (وهوابن الشيخ عبيد الله النهري الذي شارك في الحرب الروسية العثمانية وتم نفيه الى الحجاز ومن ثم تقلد مناصب عديدة حتى اعدمته السلطات التركية مع احد ابنائه ومجموعة من القادة الكورد في 27/ 9 /1925 بتهمة الارتباط بالحركة القومية الكوردية) او شخصيات من العائلة البدرخانية لتتم مسؤولية حكم تلك الدويلات وفي النهاية اتفق ولسن مع رأي كيرزون في عودة السلطة التركية الى ديار بكر.
حققت تركيا في مؤتمر لوزان مكاسب كبرى غدت نصرا دبلوماسيا وسياسيا مهما لها وقد برزت مشكلة ولاية الموصل ذات الاغلبية الكوردية في مؤتمر لوزان نتيجة مزاعم الاتراك كونها جزءا من تركيا وبهذا تم تهميش بنود معاهدة سيفر التي نصت على (حق الكورد في اقامة دولة كوردية) وقد ايدتها بريطانيا لان مشروع الدولة الكوردية المستقلة يتعارض مع مصالحها في الشرق الاوسط وهكذا فان القضية الكوردية خرجت من معاهدة لوزان من طور التدويل الى التجهيل وان هذه المعاهدة ساعدت بريطانيا في استغلال الكورد كوسيلة ضغط رابحة في مشكلة الموصل وعبرت المداولات واللقاءات الكثيرة عن هذه الحقيقة وقد حظيت جميع الاطراف من دول الاحلاف مكاسب وغنائم على حساب الكورد الا انه تمت تسوية مشكلة الموصل وفي غضون معاهدة لوزان تم تشكيل لجنة برئاسة السويدي (فرسن) لتقصي الحقائق ووصلت اللجنة الموصل في 27 كانون الثاني 1925 وقدمت تقريرها مؤكدة ان خمسة اثمان ولاية الموصل من الكورد فهم العنصر الاساسي في النزاع نهائيا بالتوقيع على معاهدة حزيران 1926محققة مكسبا كبيراً للعراق وبريطانيا ومكاسب مالية مهمة للاتراك وقد ارست الحدود بين الدولتين العراقية والتركية وفتحت صفحة جديدة من العلاقات الدولية والاقليمية بين تركيا وبريطانيا فاصبحت المعاهدة الجديدة وبالا على الكورد وعلى المستقبل السياسي لقضيتهم وهكذا بدأت الحكومات العربية المتعاقبة في العراق حروبا مستمرة على كوردستان فدمرت مدنها وقراها وشنت عليها هجوما كاسحا بالاسلحة الكيماوية في حلبجة وفي عمليات الانفال السيئة الصيت ذهب ضحيتها مئات الالوف من الكورد الامنين في ابشع عملية للتطهير العرقي (الجينوسايد) والديمغرافي وتشويه الحقائق التاريخية والطعن في اصالتهم التي ترجع جذورها الى بزوغ فجر السلالات الحضارية في سومر واشور وبابل. والغريب في الامر ان كل هذه العمليات الاجرامية البشعة جرت جهارا نهارا وتحت صمت اعلامي رهيب فلا من ناصر ولا من مغيث من قبل جامعة الدول العربية والمنظمات الانسانية والاسلامية ودعاة الحرية والسلام ومنظمات حقوق الانسان كل ذلك جرى لان الكورد شعب بلا وطن ليس لهم صوت في هيئة الامم المتحدة ومجلس الامن الدولي وقد برروا سحقهم وابادتهم بذريعة التمرد في العراق على السلطات الحاكمة.
Taakhi

[http://www.gilgamish.org] GILGAMISH