لمراسلتنا أرسل الى صديق أضف الى المفضلة اجعلنا صفحتك الرئيسية
الرئيسية
English Articles
اللغة
التاريخ
الآثار والتنقيبات
مدن كوردية
ثقافة
التراث
شخصيات كوردية
بيستون
الجمعية النسوية للكورد
جمعية الكورد الفيلية
من نحن
مقالات
الملف الشهري
مقالات كردية
اخبار كوردستانية
نشاطات الفيلية
المرأة والأسرة
ملتقى الغائبين
شؤون كوردستانية
دراسات
مكتبة كلكامش
 
 
أخر تحديث: 19/01/2015  -  11:06:50 AM
ثقافة
أينما يرتقي الوعي الاجتماعي تنتفض الشعوب ضد مستبديها!!!
هل يحق للشعب التفاؤل أم ما يزال العراق يواجهالمربع الأول؟
خلوة مع النفس إزاء الوضع الراهن بالعراق
الكارثة المحدقة ... كيف يواجهها الشعب؟
الوضع الاقتصادي والاجتماعي والسياسي الراهن في العراق
اشتكى المالكي من الطائفية.. والشكوى لله!!
لمحات من عراق القرن العشرين
تحريم تشكيل الميليشيات المسلحة لمواجهة القوات المسلحة العراقية
جلال ذياب ضحية النضال في سبيل الحرية والمساواة
عشر سنوات على إسقاط الدكتاتورية الغاشمة, كيف تغير العراق؟
قراءة في كتاب ؛غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة؛ (سيرة ذاتية)للدكتور صلاح نيازي
البرفسور كاظم حبيب
الثلاثاء 25/06/2013
اسم الكتاب: غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة
اسم الكاتب: صلاح نيازي
دار النشر : دار ميزوبوتانيا للطباعة والنشر والتوزيع
مكان النشر: بغداد
سنة الإصدار: 2013
المدخل
تسنى لي في ربيع العام الجاري (2013) اللقاء بالأخ الدكتور صلاح نيازي في احتفال تأبيني حزين, في الذكرى التاسعة والثلاثين للعدوان الذي نفذه النظام البعثي الدكتاتوري بالعراق ضد جامعة السليمانية في العام 1974 في مدينة قلعة (ديزه) مستخدماً طائراته الحربية في قصف الاحتفال ببدء الدراسة فيها. فراح ضحية هذا القصف المجرم 167 شهيداً ومئات الجرحى والمعوقين. وجهت الدعوى لكلينا من الأخ والصديق رئيس المجلس المركزي للاتحاد الوطني الكردستاني الأخ الأستاذ عادل مراد. وإذ قدمت كلمة قصيرة في هذا الاحتفال, القى الصديق صلاح نيازي قصيدة رائعة حول تلك المجزرة اللعينة والفاجعة الحزينة التي كان قد كتبها في العام 1989 جاء فيها:
قال لي صديقٌ هاربٌ توّاً:
كنتُ مثلَ أعمىً مهدّدٍ بالاغتيال
يركضُ في كلّ اتجاه وأُذُناه في دردور
كيفَ تُواسي أعمى مهدّداً بالاغتيال؟
اتخذ الجنودُ مواضعَ الرمي بالذخيرةِ الحيّة
عينٌ مغلقةٌ، وعينٌ محشوّةٌ بالرصاص
سدّوا الطرقات، كالأسلاك الشائكة
آلاف الآدميين بثياب النوم
داخلَ اللوريّاتالخاكية
مائةٌ وثلاثون ألفَ صراخ محصور
ممنوع عليها الأكلُ والشربُ والمراحيض
كمْ طفلٍ بال على نفسه من الخوف الآن


وخلال وجودنا المشترك ومع مجموعة من الأصدقاء في السليمانية لمدة أسبوع ازدادت المعرفة بيننا وشرفني بإهدائي بعض كتبه, ومنها كتابه المعروف : "غُصن مُطعَّم في شجرة غَريبة" سيرة ذاتية للكاتب صلاح نيازي..
الدكتور صلاح نيازي شاعر وكاتب ومترجم عراقي قدير بتميز, يعيش منذ العام 1963 في لندن وصاحب مجلة الاغتراب الأدبي التي أصدرها في العام 1985 واستمرت حتى العام 2002 بجهود فردية استثنائية وبدعم من زوجته الكاتبة والقاصة العراقية سميرة المانع.ومن اطلع على المجلة يدرك الدور المهم الذي لعبته في نشر الفكر والثقافية الديمقراطية والتقدمية وفي مواجهة الفكر والثقافة الصفراوين حينذاك.
كان صلاح نيازي وما يزال غزير الإنتاج شعراً وأدباً, إضافة إلى أبحاث ودراسات ومقالات, ومجموعة من الكتب الغنية والمهمة وكذلك ترجمات لكتب ذات أهمية في الحياة الأبية والثقافية العالمية. نشر صلاح نيازي في المجالات التالية:
** "الشعر:
كابوس في فضة الشمس ـ بغداد 1962
المفكر ـ بغداد 1976
الهجرة الي الداخل ـ بغداد عام 1977
نحن ـ بغداد عام 1979
الصهيل المعلب ـ لندن 1988
وهم الأسماء ـ لندن 1996
أربع قصائد ـ لندن 2003
ابن زريق وما شابه ـ بيروت 2004
** البحوث والدراسات:
تحقيق ديوان ابن المقرب العيوني مع دراسة نقدية، أطروحة دكتوراه مقدمة لجامعة لندن ـ 1975
البطل والاغتراب القومي ـ بيروت 1999
المختار من أدب العراقيين المغتربين الجزء الأول/ المقالة
** السيرة الذاتية:
غصن مطعم بشجرة غريبة ـ بيروت 2002
** الترجمة:
رواية العاصمة القديمة لكاواباتا ـ دمشق 1999
مسرحية مكبث لشكسبير ـ بيروت 2000
رواية يوليسيس لجيمس جويس ـ دمشق 2001
مسرحية ابن المستر ونزلولترانسراتيغان ـ بيروت 2002
مسرحية هاملت / ترجمة
ملحمة گلگامش / دراسة نقدية.
ترك صلاح نيازي العراق في العام 1963 على اثر الانقلاب الدموي الذي وقع 8 شباط الدموي ضد الجمهورية الأولى واعتقل وأسيء إليه, كما أسيء إلى الكثير من أبناء وبنات الشعب العراقي وعذب منهم الألوف المؤلفة وقتل المئات من خيرة أبناء وبنات الشعب.واجه حياة الغربة والاغتراب الداخلي حتى حين كان في الوطن. والكتاب سيرة حياة ذاتية للكاتب فريدة من نوعها ومليئة بالأحداث والمفاجئات. الكتاب يختلف عن عشرات الكتب التي سجلها أصحابها باعتبارها سيراً ذاتية. ولم تكن تماماً كذلك. لقد ارتدتغالبية من كتب سيرته الذاتية أقنعة وكتبت ما تشاء واعتقدت بأن الناس لا يرون وجها الحقيقي أو لم تقرأ عنها شيئاً ولا تعرف سيرتها. أما كاتبنا المميز فقد خلع كل الأقنعة التي كان في مقدوره أن يرتديها, وهو القدير, وفضل الاستلقاء على سرير طبيب نفساني هو ذاته, وترك لنفسه حرية الحديث المفتوح والصريح والشفاف عن نفسه والصادق مع نفسه وعن معاناته ليتخلص علله النفسية وأوجاعه الجسدية psychosomaticالتي تسبب بها المجتمع والنظم السياسية التي سادت العراق والتي طاردته طوال عقود. والسؤال المشروع هو: هل تخلص منها بعد أن نكثها عن نفسه؟ أشعر, كما هو يرى ذلك أيضاً, إنه ما يزال يحمل بقايا من تلك العلل والأوجاع التي تحدث عنها في كتابه ولم يبل منها تماماً, ومن يرافقه لفترة يستطيع أن يتلمس ذلك ويدرك الأسباب الكامنة وراء ذلك والتي شخصها الدكتور صلاح نيازي ذاته بجرأة ومسؤولية عالية.
استناداً إلى هذا التقدير, وربما أكون مخطئاً فيه, وجدت أن الكاتب قدم لنا كتاباً تحليلياً عميقاً غاص في عمق المجتمع العراقي الشرقي ونشر غسيله بقوة وحيوية عالية وقناعة تامة, فهو يحمل في ثناياه تناقضات الإنسان والمجتمع والحياة ذاتها والكاتب في آن.والكتابليس جديراً بالمطالعة فحسب, بل يسهم وإلى حدود جيدة في مساعدة الإنسان على التعرف على نواقصه ومشكلاته وعلله, وخاصة أولئك الذين يريدون كتابة سيرهم الذاتية أو من يعمل في الشأن العام, وأنامنهم, من أجل أن يفيدوا أنفسهم وينفعوا الناس.
الكتاب يحمل إصالة وفرادة في آن. استخدم الكاتب لغة بارعة رشيقة وأنيقة وفيها أحياناً زمجرة الأسد الجريح أيضاً.اللغة التي كتب بها الكتاب ذات نكهة شعرية جميلة يحس القارئ أو القارئة من خلالها بمعاناة الكاتب في اختيار الكلمة والجملة المناسبتين رغم سلاسة ما وصل إلينا منه. فالكلمة لها جدليتها الخاصة ومكنوناتها.
لم يكن صلاح نيازي وحده في الحالة التي عاش بها بالعراق أو حين خرج منه, حين كان يتمنى أن يموت بعيداً عمن يريد قتله بطريقة أخرى غير التي هو يريد الموت بها, ولكن ليس كل هؤلاء حملوا ذات الهموم وذات المشاعر وذات الأحاسيس التي حملها وعبَّر عنها صلاح نيازي بكتابه المفعم بروح إنسانية حالمة. حين تقرأ كتابه "غصن مطعم في شجرة غريبة" يفرض عليك الكاتب أن تحلق في فضاء أوسع, فعنوان الكتاب حمال أوجه عديدة ومعانٍ كثيرة وأبعادٍ عديدة, إنه اللحن الجميل والمعذِب, إنه لحن الحياة النابض المزروع في أرض قاحلة, إنه لحن الواحة في سراب الصحراء الممتد بعيداً في الأفق, إنه الغصن المعطاء والمطعم في شجرة مزروعة في أرض سبخاء.
خرج صلاح نيازي من العراق وهو يعاني من علل نفسية وأوجاع وزواج جميل تم لتوه في أوضاع مرَّة, كان يريد أن يموت كما يرغب هو وليس كما يريده الأشرار له, فالأشجار الشامخة تموت وهي واقفة ولا تحني شموخها للعواصف الصفراء أو تموت بها. كتب يقول:
"كانت أمنيتي الوحيدة لا الوصول إلى لندن, لا العيش فيها, ولكن الموت في مكان آخر, الموت بإرادتي, أردت "أن أحس اللذة السوداء في الوفاة"... أردت أن أختار نوع موتي, كما اختار السهروردي موته." (ص 47).
الكتاب الذي بين أيدينا يمنحنا فرصة التعرف على حياة شخصية عراقية متفردة في نشيجها وفي ما تحملته من هموم وأحلام وأوهام وشكوك وخشيات وقلق مستفحل كامن ومستقر لا يغادرها, وهي شخصية لا تريد أن تترك كل ذلك, فهي التي ساهمت وساعدتفي أن يكون على ما هو عليه الآن:إن يكون شاعرناالكبير وكاتبناالمقدام ومترجمناالذي لا يضاهى, إضافة إلى كونه إنساناً بديعاً وصديقا لا يعوض ومتحدثاً لبقاً لا يكل ولا يمل إذ يحمل معه إرثاً حضاريا وتجربة غينة.
"غصن مطعم في شجرة غريبة": نحن أمام كاتب دوخته الدنيا وأتعبته الحياة وعجنته المصائب والمصاعب وأذاقته السنين العجاف مر العذاب والحرمان والجوع, ولكنه لم يركن إلى الكسل ولا إلى الملل ولميترك المقاومة والنضال في سبيل البقاء على قيد الحياة والتقدم, فانتصر عليها وأن تركت بصماتها وآثارها بارزة في حياته اليومية وعلى شخصيته. فهوشخصية حالمة يتمتع ببراءة الأطفال حين يكون في صحبة النساء الحسناوات ويتباهى بهن, فما تزال نفسه خضراء بتعفف أبوي وروحه زاهية بتوثب وقدرته على العطاء غير محدودة.
صلاح نيازي ابن الرافدين وابن حضارات سومر وأكد وبابل, وواحدة من مهود الحضارة الإنسانية, إنه سليل ذلك الشاعر المجيد والخالد الذي سجل لنا ملحمة گلگامش. ابن بلد الشعر والغناء والرسم, ولد في ذات البلد الذي تحدثعنه الشاعر گلگامشفي ملحمته. لم يكن گلگامش يبحث عن سر الوجود والخلود, ولم يكن قوياً ومقداماً فحسب, بل كان قاسياً وظالماً في آن.
كتب في قصيدة المنزل عن العراق كمنزل وعن أهل هذا المنزل يقول:


ذكرتَ الحضارات,
بيتي التقاء العصورْ
جنائن بابل فوق الجدار
معلقة , همَّ يمشي بها الماءُ , سبّاحة في سماها الطيور
وذلك حارس بوابتي أسد سومريٌّ هصور
مصغَّرة نينوى فوق مكتبتي يشرئب بها الكهنة
وعروة كوز قديم أرى
بزرقة فخّارها عطش الذائبين بأتربة الأزمنة
العراق بلد العلل والأوجاع النفسية, بلد الأحزان والآلام, بلد الحب والعطاء, بل الخشونة والقسوة واللارحمة والاستبداد.يصور لنا صلاح نيازي, وهو في بداية الكتاب كيف عاش تجربة سادية مريعة وهو ما يزال صبياً تركت أثرها الشديد في نفسه, حين قام واحد من أبناء الجيران "البدو!" بقتل قطة صلاح نيازي التي كانت تكره المسبحات السوداء وتزعج المارة بسلوكها, ويقارن هذا السلوك البشع بأسلوب التعامل الإنساني لطبيب بريطاني متحضر مع قطة صلاح نيازي المريضة التي كان لا يرجى شفاؤها. (ص 16). حين يتحدث عن هذه الحادثة الأليمة وتشعر وكأنه يتمنى أن يستطيع كنس تراث القرون الوسطى الذي ما يزال يعشش في العراق.
قبل عدة سنوات قرأت مقالاً لعراقي يحمل لقب بروفيسور ودكتور يتحدث به بفخر واعتزاز وشموخ كيف إنه أدب شخصاً في محطة التلفزيون ببغداد باللكمات والبوكسات والرفس والركل والهجوم على المرمي على الأرض. وقد تألمت وشعرت بالحزن لهذا الرجل والنفور منه وهو يعيش منذ عقود في وسط الحضارة الغربية ولكنه لمي تعلم منها شيئاً حضارياً ويتعز بعمل قبيح قام به قبل خمسين عاماً.
حين يتحدث صلاح نيازي عن الإنسان وتواضعه ويقارن بين عراقي يتحدث كثيراً عن نفسه, وبين بريطاني يبتعد عن ذلك, يشير إلى زميلته في الإذاعة التي كان يحدثها عن وضعه ومشاريعه فكتب ما يلي: "مرة, وقد أشبعتها مشاريع ومطامح, قالت بخفوت من بين شفتيها الطريتين:
„AS USUAL, SETTING THE THAMES ON FIRE“
لم اسمع بهذا القول, فابتسمت وكأنني فهمت ما الذي تعنيه, ثم حجبت وجهها بين صفحتي رواية ذات حجم كبير, قلت لا بد إنها غارقة فيما تقرأ. ل أحاول أن أعرف في الحال, ولا في اليوم الآخر ولا في السنة التالية, لأنها انتقلت, ولم يكن يعنيني من أمرها شيء, لأن غروري كان أكبر من أي عارض مرحلي. عرفت بعد حوالي سنتين, وانا أسترجع تلك الفتاة في ذاكرتي أنها لدغتني مهذبة, كلدغة القطرة في العين. هل كنت فعلاً كما قالت الفتاة الإنكليزية ساخرة, اجترح المعجزات وآتي بالمستحيل؟ لماذا كل هذا التشبع بالذات؟ من المسؤول عن خرابي النفسي؟"
يلاحظ القارئ والقارئةإن السؤال يوحي للقارئ والقارئة بجواب واحد لا غير: إنا ضحية, ضحية هذا المجتمع. ويؤكد ذلك حين يقول في مكان آخر: "أنا ضحية العقلية الشفاهية السائدة بالعراق".
ثم يعرج صلاح نيازي حول قضية أخرى ويشير إلى التباين في الرؤية والتحليل والتفسير بين العراقيين والبريطانيين, كيف نقف نحن عند سطوح الأمور وهم يوغلون عمقاً, يلجون في عمق المسائل المدروسة, ونحن نبحث في القشور, يقول الكاتب: "نحن نتحدث عن الغابة والبستان, وهم يفحصون كل نبتة على حدة, طولها, عرضها, خلاياها, أنساغها, لحاءها, استنباتها, تطويرها, أفضل بيئة لها" ويخلص إلى القول "أنا ضحية العقلية الشفاهية السائدة في العراق" (ص 83). هذا الإحساس العميق بأنه ضحية رافقه طوال حياته, وما يزال يعاني منه!
وفي موقع آخر يقول صلاح "لماذا نتحدث عن أنفسنا بهذا الإفراط لدرجة الإسفاف؟ أحزاننا أكبر من كل الأحزان, وأفراحنا ممتلئة بالأنانية. وفي بعض الأحيان يكون فرحنا تشفياً, بالآخرين". (ص 181) ألا يبرهن لنا هذا الكتاب ذاته عن صحة ما توصل إليه الكاتب وهو مستلقي على سرير الطبيب النفساني, الذي هو نفسه, ليعالج نفسه بنفسه؟ لقد ترك لروحه وحياته حرية الحديث عن نفسيهما, وقد أجادا تسجيل حقائق الأمور, أجاد التعبير عنها ونفع من يريد الانتفاع منها.
كتب الصديق صلاح نيازي: "قال لي أستاذي المشرف على أطروحتي بثقة طبيب وكأنه يعالجني من مرض: إنك تكثر من ألـ "أنا" وهذا لا يجوز في الأطروحات الأكاديمية, ولم يُكمل قراءة الفصل. كانت الوصفة الطبية ناجعة فعلاً, أولاً لأن الـ "أنا" قُرِنت بمرض, وثانياً لأن الأطروحة لن تقبل بوجود هذه العاهة". (ص 182). اعتقد بأن الأستاذ نيازي يعرف جيداً بأن الإكثار من ألـ "أنا" غير محمودة, سواء أجاءت في أطروحة دكتوراه أم في الأحاديث العامة والحياة اليومية.
يواصل الزميل قوله: "كان العلاج صعباً وتطلب سنوات, وما زلت أشكو من عقابيله".(ص 182). مرة أخرى يستلقي الزميل على سريره فهو متيقن حتى الآن بأنه ما يزال بحاجة إلى معالجة هذه الظاهرة.كم أنت صادق مع نفسك, كما أنت حكيم.
يشخص صلاح نيازي مشكلة اجتماعية ونفسية كبيرة وعميقة الجذور يعاني منها الإنسان العراقي. إنها الحدث عن الـ "أنا" المضخمة والمفخمة والغرور والاعتداد بالنفس ويعتبرها أمراضاً تستوجب العلاج, وهي ناشئة من تربية الأجيال المتعاقبة, فكيف الخلاص منها؟ إنه فخاخ منصوبة للإنسان!
كتب عن نشوء هذه العلل النفسية لدى الإنسان وهو طفل رضيع وصبي في المدرسة ما يلي:
"الأم العراقية ترضع طفلها الغرور مع الحليب: أجمل طفل, أفضل طفل, في المدرسة, درجاته أعلى الدرجات بين أقرانه, المعلمون يستغربون من ذكائه, جاء بالمرتبة الأولى. بجمل كهذه تنمي الأم في طفلها روحاً ديكية, قوية في المظهر, هشة في الداخل, والديك مهما كان نطوسه أجبن من عليها". (ص 64). ثم يتحدث عن المجتمع والمدرسة ويخلص إلى خصيلة واقعية ومحزنة:
"شربت الاعتداد بالنفس والطموح, منذ البداية, وها أنا اليوم أحاول شيئاً مستحيلاً. أريد أن أعزل حليب الأم الأول عن تلك الأمراض الخطرة المعدية". (ص 65). أجدد إعجابي وصداق احترامي لجرأته في تحديد ما عانى وربما يعاني منه حتى الآن.
يثير الدكتور صلاح الكثير من الأسئلة المهمة التي يجيب على بعضها ويترك البعض الآخر لمهمة القارئ والقارئة. ويريد أن يشعرك بأنه قد تغير تماماً عما كان عليه من قبل حين كان ثورياً بالعراق, إذ كتب يقول:
"باختصار, لم تعد الشعارات الثورية, تلهب في دمي النار, وأصبحت فلسفة "التغيير من الجذور, تفزعني." (ص 68).ولكن صلاح نيازي نفسه كتب عن الجمود الذي يلف العراق والذي هو بأمس الحاجة إلى التغيير:
منذ مئات السنين, لم يتغير شيء في سومر. نفس الوجوه المتأزمة, نفس الأحاديث الشاتمة والعنجهية, نفس الغرور المزهوّ بذاته, وفي الإحباط هم قصيرو الرقاب يلوذون كحيوانات منهورة ووجوههم كامدة كخيم محترقة". ص (203).
ليس هذا بغريب عن إنسان عاش المصاعب والمصائب بالعراق, ثم هو الآن يعيش في بلد تركتالروح الثورية منذ قرون خلفها واستساغت التطور الإصلاحي أو التدريجي, كما إن العمر والثقافة وطاقات الإنسان تلعب كلها الدور البارز في تحديد الموقف من عمليات التغيير الاجتماعي. أحس بأني لم أعد ثورياً بتلك الصورة التي كنت عليها قبل عقدين مثلاً, ولكن ما زلت أطمح إلى التغيير الجذري في المجتمع وعن طريق سلمي وديمقراطي.
يواصل الدكتور صلاح نيازي تسجيل رؤيته للتغير فيشير إلى ما يلي:
"لا يمكن للحضارة أن تبدأ بين عشية وضحاها. إنها كالبذور لا بدَّ لها من نمو بطيء. قد تعجل في خلق مجتمع متعلم, ولكن من الصعوبة أن تخلق مجتمع متحضر, في فترة زمنية قصيرة". ص (68)
التمييز بين التعلم والتحضر أمر سليم ومسافة غير قصيرة. ولكنها ليست مسافة فقط, بل ما يفترض أن يحصل خلال الفترة الواقعة بين التعلم والتحضر, إضافة إلى ماذا نريد من تعلم الفرد والمجتمع؟ كانت الإجابة عن هذا السؤال ضرورية ولو بصورة غير مباشرة. علي هنا أن أشير إلى إن المشكلة تكمن أيضاً في الانقطاع الحضاري بين سومر والعراق الراهن, إذ بينهما الإسلام وما أدراك ما حصل خلال الفترة الواقعة بينهما, إنه الانقطاع الحضاري الفعلي الطويل يا صديقي العزيز.
ليست مهمة الكتاب وضع المعالجات للمشكلات القائمة, فهو كتاب يتحدث عن سيرة ذاتية, فهو ليس بكتاب تعليمي, رغم ما فيه من حكم ودروس وإيحاءات وإشارات نقدية قوية في هذا الصدد. ولكني أدرك تماماً بأن الوصول إلى التعليم والتحضر يفترض أن يرتبطا عضوياً وجدلياً بتغيير البنية الاقتصادية المشوهة والمتخلفة الراهنة والتي ستساهم بدورها كعلمية سيرورة وصيرورة مترابطة في تغيير البنية الطبقية للمجتمع وبلورة الفئات الاجتماعية الحاملة للمجتمع المدني والديمقراطية. إذ إن التغيير الاقتصادي والاجتماعي يقترنان بتغيير في بنية التعليم والتربية وفي الوعي لدى الإنسان, وكلها تدفع وعبر عملية اقتصادية- اجتماعية-ثقافية –تعليمية وتربوية منزلية وسياسية معقدة وطويلة وصعبة للغاية, ولكنها غير مستحيلة, باتجاه خلق مجتمع ليس متعلماً حسب, بل ومتحضراً. فالمجتمع البريطاني لم يكن قبل عدة قرون أفضل من المجتمعات العربية أو المجتمع العراقي بصدد تلك العلل. والمسافة بين المجتمع البريطاني والعراقي حالياً بعيدة وكأنها قرون تفصل المجتمع العراقي عن المجتمع البريطاني, ولكنها ليست قروناً من السنين فقط, بل وانقطاعاً حضارياً مديداً. دعني أقول ما ذكره الصديق الدكتور زهدي الداووي في إحدى نقاشاتنا, وهو مؤرخ وروائي في آن. ما يلي:
"مشكلة معظم الأدباء والفنانين العراقيين في الغربة هي المقارنة بين وطنهم العراق وأوروبا،
دون فهم الخلفية التاريخية لعملية التطور. العراق ليس امتداداً عضويا لسومر وأكد بدليل أن الإسلام قد أدى إلى انقطاع حضاري عن الجذور، الأمر الذي أدى إلى ركود هائل في عملية التطوروكان أن تخلف العراق والبلدان الأخرى عن مواكبة الثورة الصناعيةالتي تسببت في نشوء وتطور البورجوازية الصناعية", وهو رأي صائب أتفق معه تمام الاتفاق.
يقول صلاح نيازي:
"خرابنا في داخلنا وهذه أتعس طامة, أصبحنا كالخشب المأروض. لأكُن مريضي وطبيب, رأس عيادتي. لأتعرف عليَّ, أولاً, وعلى جذوري الخفية." (ص 195). هذا بالضبط ما أشرت أليه في البداية في كونه استلقى على سرير طبيب نفساني هو صلاح نيازي ذاته. أعود فأقول لا يكفي أن نشخص العيب, بل لا بد من رؤية وتشخيص سبب العيب, إذ عندها يمكن معالجة العيب!إذ إن الحيرة أمام هذا الواقع لا تدفع بنا خطوة إلى الأمام.
كتب يقول بلغة وصورة شاعرية: "ما الذي حدث؟ هل جعلتني الغربة شبحاً لأجوس ف الأطلال؟ كفلاح صينيّ وازنت العصا والسلتين على ظهري. سومر بكفة وبغداد بكفة وعدت إلى لندن. رششت التراب الذي حملته من العراق على طول حديقتي. لماذا فعلت ذلك؟ لا أدري". لا نحتاج إلى كثير عناء لنعرف السبب. نشر المركز الثقافي العراقي في شباط/فبراير من هذا العام (2013) مقالاً لكاتب لم يذُكر اسمه جاء فيه:
"كلما ابتعدنا صرنا نلتفت إلى الوطن أكثر، نبحث في ما حولنا عن إشارة أو ذكرى أو ابتسامة أو حتى دمعة تشير إليه، لذا حين تطالعنا كلمات الشاعر العراقي الدكتور صلاح نيازي يمكن أن ندرك أي جهات تبددت أمامه وهو يلتفت دوما نحو العراق". العراق يعيش في بريطانيا, ولكنه يعيش الغربة ويعيش الحنين, شاء ذلك أم أبى وهو الذي كتب القصية البديعة التالية:
هكذا، من بلدٍ إلى بلد
أفتّش بين النجوم عن بنات نعش
وأقول إذن من هنا العراق
درجت معهنّ منذ الطفولة
أعرّفهن واحدة واحدة، ويعرفنني من بين كل الصبيان
في بعض الأحيان يغمزن لي حين أكون وحيداً
يومها دخلت رهبوت السر، وانتشيت كطائر، كطائر
هنّ كالقناديل في صواني العرس يطفن في السماء
وفي الليالي الغائمة احزن وتختلّ الدنيا
أتفقدهنّ لأنّهن كلّ ما أملك من أمان
مجرد وجودهن دليل الثبات والديمومة، يا للاطمئنان
تعوّدت أن أراهنّ فوق رأسي
إلى اليمين قليلاً، أمامي قليلاً.
هذا هو مكانهنّ الثابت، جذوري التي في السماء.
أحببت صغراهنّ التي تلهث وراءهن في رحيل دائم
تلهث وتعرج وتلهث في رحيل دائم
ما انتظرنها يوما، ولا هي قادرة على اللحاق
قيل عرجاء، تلهث وتعرج، ومن حبي لها سمّيتها مليحة
هكذا من بلدٍ إلى بلد إلى بلد
افتش بين النجوم عن مليحة العرجاء
واليوم اسمع لهاثها ولا أراها في هذه السماء الغريبة
نظرت كالمعتاد إلى المكان الثابت في السماء
الى اليمين قليلاً، إلى الأمام قليلاً، وما من أثر
حينما تتغير خريطة الأشياء تستنفر الحواس
هذه هدية الغربة

سألت صديقاً عن وضعه في الشتات العراقيو فأجابني قائلاً: "الوطن أم, والغربة مرة الأب". وفي أوضاع العراق الراهنة: "الوطن مرة الأب والغربة هي الأم", كما عكسها صديق آخر.
مارس صلاح نيازي أعمالاً كثيرة وأبدع فيهاو سواء أكان ذلك في الإذاعة أم التدريس الجامعي أم في الترجمة, ولكنه لم يمارس العمل اليدوي, ولذلك تجد تجربته قد تكثفت في تلك المجالات التي عمل فيها ولم تنعكس أو تتجلى في ما يعاني منه العمال والفلاحين والكسبة والحرفيين. ولم يكن مطلوباً منه أن يمارس ذلك. ولكن حين كان جائعاً جداً وحين كان عاجزاً عن تأمين خبز يومه, يطرح السؤال التالي: لماذا لم يفكر في العمل اليدوي ويسعى إليه ليوفر عيش يومه, كما فعل الكثير جداً من المثقفين العراقيين الذين غادروا صوب الشتات العراقي في الستينيات والسبعينيات وما بعدهما حتى الفترة الراهنة. سؤال طرحته على نفسي وأنا أقرأ الكتاب, إذكانت هناك إمكانيات غير قليلة للعمل اليدوي في بريطانيا وهي ليست بالضرورة ثقيلة على الإنسان كما في حالة العمل في دائرة البريد أو محطات القطار أو غيرها.
أنهى الكاتب الكبير الدكتور صلاح نيازي كتابه بجمل حزينة جداً تعبر عن حيرة محيرة, إذ يقول, ما الفائدة في كل هذا؟ الشيء اليقين في حياتي الآن هو الحيرة... فتشت في البداية عن لقمة العيش وكأنها الإكسير, واليوم أفتش عما ينسيني حيرتي التي تزداد وتستفحل بمرور السنين. سأخرج من حلبة الحياة بحيرة أكبر. الحيرة ميراثي الأول والأخير, فأتخبط :
في كلِّ آلة موسيقية, آلاف الأنغام لم تكتشف بعد
في كلِّ شجرة, أصباغ بقدر عيدان الأعشاش
في كلِّ صخرة, عدد لا يحصى له من تماثيل لم تنحت بعد
يولد الإنسان وفي صدره مدن مطمورة
في حنجرته لغات مدحور. لغات منقرضة
لغات في تابوت. لغات في زفاف.
ملامحه ليست ملامحه
ويداه مجدافا نوح دائماً
هل نحن الحقيقة أم الصورة؟ أم صورة الصورة إلى ما لا نهاية
هل نحن أغصان مطعمة في أشجار غريبة؟
برلين في 19/6/2013 كاظم حبيب
التعليقات
- 24151184 visitors
Designed by NOURAS
Managed by Wesima