وأخيراً وبلا وداع ٍ رحلت عنّا يا حسين ... وذهبت الى مثواك الاخيربخطوات مثقللات بالألم والتعب والأنين.. رحلت بلا شكٍ فائزاً مبتسماً ...

فذهبت لتستريح من عناء السفر الطويل، بعد أن أتعبك قطار العمر المتعرج من محطة هموم ٍ الى أخرى تقاسمتها الشدائد والمحن العظام .. غير انك كنت صبوراً صبورا.. دؤوباً دؤوباً ...

جميلاً جميلاً.. محباً محبوباً في كل ما حملته من بديع الصفات .

رحلت عنّا وتركتنا ندور في فلك الذكريات الجميلة التي جمعتنا لأكثر من أربعين عاما .ً...

 استميحك عذرأً يا أبا عليٍّ ...... لتتركني اتحدث عن محطات من تلك الذكريات التي انطبعت في ذهني ... ذكريات جميلة من صداقةٍ أخويةٍ حميمة

 

* كان أول تعارفٍ لنا في كازينو شط العرب على ضفاف دجلة ببغداد عام 1970 بُعيد اتفاقية آذار بأيام ٍ أو أسابيع ..

يومها كنا نتذاكر للإمتحانات النهائية في ذلك الفضاء الواسع الذي يجتمع فيه جمهرة من طلاب العلم والأدب ،وجُلّهم كانوا من شباب الكرد ، لقرب المكان من المحلات البغدادية التي تسكنها العائلات الكردية الفيلية منذ زمن بعيد في عمق تاريخ بغدادنا الحبيبة .

وبقينا نلتقي ونتذاكر لأعوام ٍ وأعوام في ذلك المكان الذي لم يبقَ منه إلا الذكريات .

وها هيَّ صورتك التي أهديتها لي أحملها معي اليوم وقد دونت بخطك الجميل على ظهرها :

( تعبيراً للصداقة والأخوة الابدية بيننا وإمتداداً الى الأبد .. أهديك صورتي للذكرى مع أجمل تحياتي وتمنياتي لك بالتوفيق / أخوك حسين مايخان 6/5/1972 )

 

* ومرت سنوات على الفراق وأنا بعيد عن الوطن ، وإذ بنا نلتقي من جديد بعد أواسط التسعينيات في أروقة كلية الفنون الجميلة حيث جمعتنا الدراسة المسائية فيها ( أنت في قسم النحت وأنا في قسم الفنون المسرحية )

واذكر للتاريخ  انك كنت مغامراً جريئاً في ذلك الزمن المعتوه . بل مناضلاً شريفاً وعنيداً ، فحق لك أن تفتخر بتوزيعك لصحف ونشريات الاتحاد الوطني الكردستاني بين من تثق بهم من طلاب مرحلتنا في جامعة بغداد ، إذ كانت تصلك من السليمانية عن طريق خانقين .

حقاً كانت مهامة شاقة يقوم بها رجل ناجح .. فهل يتذكر أخوة الدرب ذلك النضال يوم كان حسين مايخان يعمل في كل مكان وزمان ؟ .

 

*وبعد سقوط النظام الدكتاتوري في نيسان 2003 جمعنا العمل سوية في قسم الاعلام بمركز تنظيمات بغداد للاتحاد الوطني الكوردستاني مع الشهيد الخالد ( برويز) وكنا أنا وأنت ومحسن بني ويس والمرحوم أصغر دارا ( ابو كامران)

فهل تتذكركيف كنا ندورفي أزقة البتاويين في حرِّ الظهيرة ، و دون ملل بحثاً عن مطبعة جيدة لإصدار مجلة بسم قسم الاعلام  ؟....

ثم تم نقلي معاوناً لمدير تلفزيون الحرية ، فاصطحبنا الشهيد برويز الى مبنى التلفزيون للقاء مسؤول مكتب الإعلام المركزي والاتفاق معه على صيغة العمل في التلفزيون ، ولا أنسى كم كنتَ بالذات فرحاً وفخوراً بتعيني في تلك القناة .... وكيف كنتَ تطري في الحديث عني امام المسؤولين هناك .

 

*وهل تتذكر يا ابا علي كم كنتَ شغوفاً في تلك الفترة بنشر لقاءات صحفية مع الفنانين في جريدة الاتحاد ، وقد نشرت لقاءً مطولاً معي ، نشر في عدد يوم الثلاثاء 23/3 / 2004 بعنوان:

( حيدر الحيدر يقول : أنا النسخة الاصلية )!؟

لقد كان لقاءً فنياً رائعاً وما زلت أحتفظ بنسخة من ذلك العدد للذكرى .

 

* يا ابا علي ايها الفنان الكبير والقلب الكبير ...

لست أنسى يوم كلفناك بإعداد برنامج عن الفنانين التشكيليين،إذ كنت واحداً  من رموز

هذا الفن العريق ،وعلى اتصال وثيق بأولئك الفنانين الكبار... رحبت بالفكرة فرحاً وشمّرت

عن ساعديك لخوض تلك التجربة الجديدة في الإعداد التلفزيوني ... فكنت معداً ناجحاً لذلك البرنامج الذي اسميناه( قناديل) وكان من تقديم واخراج (احمد الحمداني )

لكن بعض الظروف حالت دو ن تواصلك مع البرنامج (إيهٍ ٍ.. إيه ٍ ايها القنديل المنير ..!)

 

* محطة اخرى من نشاطك الدؤوب تفرض وجودها في هذا الحديث ..  يعود تاريخها الى

يومي 3و4 /12 / 2005 في (هه ولير) حيث انعقد برعاية السيد ( مسعود بارزاني )رئيس

اقليم كوردستان ( كونفرانس الكورد الفيليون ودورهم في نضال شعبهم الكوردي التحرري)

يومها جمعتنا غرفة واحدة في الفندق الكبير ،كان ثالثنا فيها أحد زملائك من الفنانين التشكيليين،

لحضور ذلك المؤتمر،وكان هنالك حشد كبير لمثقفي الكورد في تجمع رائع قلَّ مثيله ....

يومذاك كان ينتابني خجل حين تقدمني للأصدقاء بما تطريه علىَّ من مديح ...!

فأقول لك : أنا لا أستحق هذا الكم من المديح فإترك الإطراء والمجاملة أرجوك ..

فتجيبني باسماً :هذه حقيقة وليست مجاملة ، وتعود لمن تعرفني عليه من الحضور :

(هذا خالي ) وتقصد بذلك النسب العشائري، فأهمس في أذنك ممازحاً ( خالك الحصان )،

فنضحك سويةً بحرارة .

 

* لقد دأبت يا ابا علي أن ٍّتؤدي دوراً مميزا ً في جميع المحافل الثقافية والأدبية والفنية .

ففي الندوة التي أقامتها منظمة البيت الكردي بالتعاون مع مؤسسة شفق ، بتاريخ السبت

9 /1/ 2010 تحت عنوان ( فنانون فيليون في ضيافة البيت الكردي)

كنت متحمساً في كلمتك التي ابتدأت فيها الندوة قائلاً :

( للفن مكانة ودور في حياة الشعوب لأنه مرآة تعكس خفايا وعادات وتقاليد الشعوب وتفاصيل

حياتهم اليومية والأحداث التاريخية منذ أقدم الازمنة ، وانها سجل حافل لكل ما مرَّ على البشرية .

ودراسة معمقة لحياتهم من خلال الأعمال الفنية والفولكتورية .. والفن الكردي له خصوصية بخصوصية كوردستان وان الله سبحانه وتعالى وهبها الطبيعة الخلابة والجمال، ففي ربيعها تصبح لوحة فنية غاية في الروعة ولا يمل الناظر من الابحار في الوانها الطبيعية او من سماع زقزقة عصافيرها وهديل حمائمها وخاصة صوت طير القبج الصديق الوفي للشعب الكردي ....)

وعن هموم ومعاناة الفنانين الكورد في زمن الطاغية المقبور بينت يا نصير الفنانين الكورد :

( ان عدم فسح المجال امام الفنانين الكورد لتقديم خطابهم الفني للجمهور واستبعادهم من الساحة الفنية العراقية  وعدم اشراكهم في المهرجانات والفعاليات كان بقصد ٍ وتعمد ٍ من قبل ذلك النظام وسعياً منه في تجريدهم من همومهم القومية والكوردستانية ، والآن بعد التحسن النسبي للوضع الامني نطالب الجهات الحكومية وحكومة اقليم كوردستان بالإلتفات للطاقات الفنية الكوردية ودعمهم معنوياً ومادياً والعمل على تحسين اوضاعهم المهنية  والمعيشية خدمة ً لمسيرة الفن العراقي والفن الكردي خاصة ..)

* ايها الفنان المحبوب حسين مايخان ... قبل عام من هذا الزمن كان نشاطك الدؤوب واضحاً

في خدمة جميع الفنانين بدون استثناء في نقابة الفنانين العراقيين .. وكم كانت غبطتنا كبيرة

بفوزك الساحق في الإنتخابات المركزية الاخيرة ، والكم الهائل من الاصوات التي حصلت عليها والتي شكلت مفاجئة للمرشحين وبالخصوص اصوات محافظة كركوك وبدون دعاية انتخابية

تذكر... يُبيِّن ذلك كم كنت محبوبا من الجميع وهكذا حال كل المخلصين ايها المخلص الأمين .

 

* في شهر رمضان الماضي استلمت رسالة من الدكتورة منيرة أميد تقول فيها :

((هنالك احدى المنظمات الكوردية العاملة في بريطانيا (منظمة كولان ) سيعملون

( يوم فيلي ) وهو يوم تعريفي بالفيليين للمجتمع البريطاني سيعرفهم بتاريخهم وثقافتهم

وتراثهم وغيره .. الحقيقة طلبوا مني مساعدتهم في ذلك وهو يوم يهمنا جميعاً كفيليين

ونجاحه سيخدمنا بالتأكيد في تعرّف الآخرين على ما مرَّ بنا ايضاً وكيف حالنا اليوم ..

مسؤولة المنظمة كانت قد طلبت منّا عدّة امور ومنها بعض الاعمال لفنانين تشكيليين ...

الى آخر الرسالة ))

وطلبت مني مساعدتها في هذا  وارسال اسماء او ارقام هواتف الفنانين التشكيليين

من الكورد الفيلين .وحالما انتهيت من قراءة نص تلك الرسالة حتى اتصلت بك  في الحال

بصفتك واحد ممن قصدتهم رسالة الدكتورة منيره أميد ..

فلا انسى دورك يا ابا عليِّ في الإجابة على تلك الرسالة رغم ما كنت تعانيه من تعب ،

حيث عرّفتنا على عدد كبير منهم وكنت بالتاكيد على رأس تلك القائمة  

 

* صديقي ايها الراحل العزيز ...

قبل أشهرٍ سلمتني تجديد هويتي في نقابة الفنانين معفياً من الرسوم السنوية لكوني من

الاعضاء القدامى في النقابة وعدم تمكني من دفع المبلغ المذكور...

وقلت لي : إذا أنت تعبان وما تكَدر تحضر لإستلام هويتك ...

إحنه إنجيبهه إلك ممنونين يا خالي ... فعلت ذلك وأنت في أشد الحاجة الى الراحة..!

 

* قبل ان تودعنا وفي الأيام الأخيرة طلبت مني صورتي ، لترسمها لوحة فحمية،

ولتبقى ذكرى ... وقد رحلت قبل ان تفعل ذلك أو ربما رسمت تلك اللوحة ولم أشاهدها

إذ كان الرحيل ... وهكذا هي صداقتنا بدأت بصورة وإنتهت بلوحة

 

*هذه هي بعض ذكرياتي عن صديقي الفنان الراحل ( حسين مايخان)

الذي انتقل الى جوار ربه ....

رحمه الله وأسكنه فسيح جناته .

ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ

حيدر الحيدر

21/ 4/2011